يناقش الكاتب أحمد فتحي أزمة التحالفات السياسية في مصر من زاوية شخصية تشكلت عبر أكثر من ثلاثة عقود قضاها خارج البلاد، حيث أتاح له العمل في مجالات السياحة والصحافة والشؤون الدولية مراقبة تجارب سياسية متنوعة حول العالم. ويرى أن الأزمات المتكررة داخل الكيانات السياسية المصرية لا تعكس خلافات عابرة، بل تكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بعجز القوى السياسية عن بناء تحالفات مستقرة وقادرة على الاستمرار رغم الاختلافات.


ونشر موقع أتالايار هذا المقال الذي يحلل أسباب تعثر التحالفات السياسية في مصر، ويربطها بطبيعة البيئة السياسية السائدة وضعف المؤسسات الحزبية وغياب الثقة المتبادلة، كما يستعرض تجارب دولية نجحت في بناء ائتلافات سياسية فعالة ويقترح مسارات عملية لإعادة بناء العمل السياسي المصري على أسس أكثر استدامة.


أزمة التحالفات السياسية بين القيود والضعف المؤسسي


يرى الكاتب أن أزمة التحالفات السياسية في مصر لا ترتبط فقط بالضغوط التي تواجهها الأحزاب والقوى السياسية، بل تتصل أيضاً بعوامل داخلية متجذرة في الثقافة السياسية. فقد أدت محدودية المجال العام وضعف الأحزاب وانتشار الخلافات الشخصية وتراجع الثقة بين الفاعلين السياسيين إلى إضعاف فرص بناء تكتلات قادرة على الصمود.


ويشير إلى أن المسؤولين المصريين يتحدثون عن إصلاحات سياسية تجري عبر الحوار الوطني والانفتاح التدريجي، إلا أن واقع المشاركة السياسية ما زال يواجه تحديات كبيرة. وتؤكد تقارير دولية أن النشاط الحزبي والمعارض يواجه قيوداً واسعة، بينما تؤثر المخاوف المرتبطة بالكلفة الأمنية والقانونية للعمل السياسي في قدرة الأحزاب على التحرك بحرية.


ويشدد الكاتب على أن هذه الظروف تجعل من الصعب تطوير حياة حزبية طبيعية، لأن السياسة تحتاج إلى بيئة تسمح بالتنافس السلمي وتبادل الآراء دون خوف أو تردد. ومع ذلك، يرفض إرجاع الأزمة بالكامل إلى الضغوط الخارجية، مؤكداً أن جزءاً مهماً من المشكلة يكمن داخل القوى السياسية نفسها.


فحتى في المساحات المحدودة المتاحة، تظهر مشكلات تتعلق بضعف اللوائح التنظيمية والاعتماد المفرط على الشخصيات الرمزية وغياب آليات واضحة لاتخاذ القرار وتجديد القيادات. كما يلاحظ أن بعض القوى التي تدعو إلى الديمقراطية على المستوى الوطني لا تطبق دائماً المبادئ ذاتها داخل هياكلها التنظيمية، ما يضعف مصداقيتها أمام الرأي العام.


دروس التحالفات الناجحة وتجارب العالم


يؤكد الكاتب أن التجارب الدولية تثبت أن نجاح التحالفات السياسية لا يعتمد على اتفاق جميع الأطراف في كل القضايا، بل على وجود قواعد مشتركة وأهداف محددة وآليات واضحة لإدارة الخلافات. وقد أظهرت تجارب عديدة أن التوافق على الحد الأدنى من الأهداف يمكن أن يفتح الباب أمام تحولات سياسية مهمة.


ويستشهد بتجارب شهدتها دول مختلفة، حيث نجحت قوى سياسية متباينة في توحيد جهودها حول أهداف محددة تتعلق بالإصلاح السياسي أو الانتقال الديمقراطي. ولم يتحقق هذا النجاح بسبب التشابه الأيديولوجي بين الأطراف، بل نتيجة الاتفاق على قواعد العمل المشترك والالتزام بمؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف.


ويلاحظ أن كثيراً من التحالفات المصرية تنطلق من الشعارات أو ردود الفعل العاطفية أكثر مما تنطلق من تصميم مؤسسي واضح. وغالباً ما تبدأ هذه التحالفات بإعلانات طموحة وخطابات كبيرة، ثم تواجه سريعاً أسئلة جوهرية تتعلق بمن يتحدث باسمها وكيف تتخذ قراراتها وكيف تدير خلافاتها الداخلية.


وعندما تغيب الإجابات الواضحة، تتحول الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات وجودية، وينتقل النقاش من البحث عن أفضل السياسات إلى التنافس حول الشرعية والقيادة والنفوذ. وهنا تتراجع السياسة بوصفها إدارة للمصالح العامة لتحل محلها الصراعات الشخصية والخلافات التنظيمية.


ويرى الكاتب أن هذه الظاهرة تعكس ثقافة سياسية مركزية تشكلت عبر عقود طويلة داخل مؤسسات الدولة والأحزاب والنقابات وحتى داخل البنى الاجتماعية الأوسع، الأمر الذي يجعل كثيراً من المعارضين يعيدون إنتاج الأنماط ذاتها التي ينتقدونها.


نحو تحالفات وظيفية تعيد بناء السياسة المصرية


يدعو الكاتب إلى تغيير طريقة التفكير في بناء التحالفات السياسية، بحيث ينصب التركيز على المهام والأهداف العملية بدلاً من البحث عن جبهات واسعة تضم أطرافاً متعددة يصعب عليها الحفاظ على تماسكها. ويرى أن التحالفات الصغيرة التي تلتف حول قضايا محددة قد تكون أكثر فاعلية من التحالفات الكبيرة التي تعجز عن إدارة خلافاتها الداخلية.


ويشدد على ضرورة وضع لوائح مختصرة وواضحة لأي تحالف جديد، تشمل آليات التصويت واتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات وتسوية النزاعات وضمان حق الأقلية في التعبير عن رأيها. كما يدعو إلى تقليل الاعتماد على الشخصيات الفردية وتعزيز العمل الشبكي الذي يضم خبراء قانونيين وباحثين ومنظمين وشباباً وفاعلين محليين.


وفي السياق ذاته، يؤكد أهمية ربط الخطاب السياسي بالقضايا اليومية التي تشغل المواطنين، مثل التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والأسعار والخدمات العامة. فالمواطن لا يقيم القوى السياسية على أساس الشعارات وحدها، بل ينظر إلى قدرتها على تقديم حلول عملية للمشكلات التي تؤثر في حياته اليومية.


ويرى الكاتب أن الدفاع عن الديمقراطية والحريات لا يتعارض مع التركيز على القضايا المعيشية، بل يكتسب معناه الحقيقي عندما يرتبط بتحسين جودة الحياة وتعزيز المساءلة والعدالة وتكافؤ الفرص. وعندها يصبح الإصلاح السياسي مطلباً يومياً يشعر المواطن بأثره المباشر.


ويخلص المقال إلى أن إعادة بناء السياسة المصرية تتطلب عملاً طويل الأمد يبدأ من القاعدة ويعتمد على بناء الثقة وتطوير الكوادر وصياغة برامج واقعية وترسيخ قواعد تنظيمية واضحة. فكلما ازدادت القيود على المجال السياسي، ازدادت الحاجة إلى تنظيم أكثر احترافاً وقدرة على الصمود. ومن دون ذلك ستظل التحالفات السياسية تدور في الحلقة نفسها؛ آمال كبيرة عند التأسيس، ثم خلافات داخلية، ثم بداية جديدة تعيد إنتاج المشكلات القديمة.

 

https://www.atalayar.com/en/opinion/ahmed-fathi/from-distance-an-outsider-s-perspective-why-political-coalitions-continue-to-fail-in-egypt/20260618121439226840.html